صدى طنجة|مجتمع

حين تعجز إسبانيا عن تدبير حدودها.. هل يصبح الأمن المغربي شماعة لتبرير الإخفاق؟

IMG_3566

ليس من الصعب أن يتحول ملف الهجرة غير النظامية إلى مادة دسمة للتجاذبات السياسية والإعلامية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعلاقات دولتين تجمعهما حدود جغرافية وتفرض عليهما تحديات أمنية مشتركة.

لكن الصعب حقا هو أن تتحول النقاشات المرتبطة بتدبير الحدود إلى مناسبة لتوجيه الاتهامات ووضع المؤسسات الأمنية المغربية في دائرة الشبهة، دون التمييز بين الوقائع المثبتة والقراءات الإعلامية التي تحتاج بدورها إلى التدقيق والمساءلة.

هذا ما تطرحه التقارير الإعلامية الإسبانية التي أعادت تسليط الضوء على التحركات الميدانية لمسؤولين أمنيين مغاربة خلال أحداث مرتبطة بالهجرة، وفي مقدمتها ما نشرته صحيفة “إل باييس” و “الموندو”.

فبدلا من أن يظل النقاش محصورا في جوهر الوقائع امتد إلى طبيعة التدخل الأمني المغربي وأدوار بعض المسؤولين بما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود العمل الصحفي، ومدى احترام التوازن بين حق الرأي العام في المعرفة وضرورة عدم تحويل الاستنتاجات إلى أحكام مسبقة.

لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين أمرين أساسيين: حق المؤسسات الإسبانية في التحقيق في أحداث حدودية ذات أبعاد أمنية وقضائية، وحق المؤسسات المغربية في ألا تتحول مجرد ممارسة مهامها الميدانية إلى قرينة اتهام قبل اكتمال التحقيق وتحديد المسؤوليات.

فوجود مسؤول أمني في موقع أزمة حدودية لا يشكل في حد ذاته دليلا على تورطه في تدبير عمليات العبور، كما أن ظهوره في تسجيل مصور وهو يتواصل مع أشخاص أو يقدم توجيهات لا يكفي وحده لاستخلاص طبيعة المهمة التي كان يؤديها أو الغاية من تدخله.

وتكشف المعطيات المنشورة يوم 5 نونبر الجاري أن الشرطة الوطنية الإسبانية حددت هوية مسؤولين أمنيين مغربيين، هما محمد الوليدي وعبد الفتاح السيد الراضي، اعتمادا على خمسة تسجيلات مصورة من أصل 73 تسجيلا قالت إنها تتوفر عليها وأحالت تقريرا بشأنها إلى قاضية المحكمة الوطنية الإسبانية غير أن التقرير وفق ما نشرته وسائل إعلام إسبانية، يتحدث عن استمرار تحليل المواد المتوفرة من أجل تحديد طبيعة الأدوار التي اضطلع بها المسؤولان، وهو ما يعني أن المسألة لا تزال في نطاق البحث والتحقيق، وليست حكما قضائيا نهائيا يثبت المسؤولية أو ينفيها.

وهنا تحديدا تبرز أهمية المسؤولية الإعلامية فالصحافة التي تملك حق مساءلة المؤسسات وملاحقة الوقائع مطالبة أيضا باحترام الفارق بين ما تثبته التسجيلات وما يستنتجه المحققون، وبين ما يرد في التقارير الأمنية وما تقرره المحاكم.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح بالقدر نفسه من الجدية هو: أين تبدأ مسؤولية إسبانيا عن تدبير حدودها؟

فلا يمكن اختزال أزمة الهجرة في تحركات المسؤولين الأمنيين المغاربة، ولا التعامل مع الحدود باعتبارها مسؤولية أحادية الجانب. إن تدبير الهجرة غير النظامية يرتبط بمنظومة معقدة تشمل السياسات الأوروبية، والتعاون الأمني بين الدول، ومراقبة الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع أعداداً من الأشخاص إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر.

ومن ثم فإن أي مقاربة جادة لما وقع في محيط سبتة ينبغي ألا تكتفي بتفحص الصور ومقاطع الفيديو، بل يتعين أن تضع الأحداث في سياقها الكامل، وأن تبحث في كيفية تدبير الأزمة من مختلف الأطراف، ومدى جاهزية الأجهزة المعنية، وطبيعة التنسيق القائم بين المؤسسات المختصة على جانبي الحدود.

أما تحويل النقاش إلى مواجهة إعلامية بين البلدين، فلن يساعد على فهم ما جرى، ولن يقدم إجابات عن الأسئلة الحقيقية التي تفرضها أزمة الهجرة. فالمساءلة ينبغي أن تكون متبادلة، والمعايير المهنية والقانونية لا يجوز أن تتغير بحسب جنسية المسؤول أو المؤسسة المعنية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الشراكة الأمنية بين المغرب وإسبانيا إلى موضوع محظور على الصحافة أو إلى حصانة من المساءلة. فمن حق الإعلام الإسباني التحقيق في أي شبهة تتعلق بتدبير الحدود، كما أن من حق الجانب المغربي المطالبة بعرض الوقائع كاملة، وتقديم الأدلة في سياقها، وعدم بناء استنتاجات نهائية على مواد مجتزأة أو قراءات غير مكتملة.

إن جوهر القضية لا يكمن في الدفاع عن مسؤول أو مهاجمة صحيفة بل في مساءلة جميع الأطراف بالمعايير نفسها فإذا كانت هناك اختلالات في تدبير أحداث الحدود، فينبغي كشفها وتحديد المسؤوليات بشأنها استنادا إلى أدلة قابلة للتحقق.

وفي نهاية المطاف لا تحتاج الحقيقة إلى حملات إعلامية مضادة ولا إلى اتهامات متبادلة بقدر ما تحتاج إلى تحقيق نزيه وتغطية صحفية مسؤولة ومؤسسات تقبل المساءلة دون انتقائية.

فهل ستتجه النقاشات الجارية نحو كشف حقيقة ما وقع على الحدود، وتحديد مسؤولية كل طرف أم سيظل ملف الهجرة مجالا لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات السياسية والإعلامية؟

مواضيع ذات صلة

العثور على مولود حديث الولادة متوفى داخل مستشفى القرب بالقصر الكبير يستنفر الأمن

أمانديس طنجة على صفيح ساخن.. ملفات اجتماعية عالقة واحتقان نقابي يضع الإدارة أمام اختبار الوفاء بالتزاماتها

هل أصبحت طنجة مدينة لا تتسع لفقرائها؟ غلاء المعيشة يضع الطبقات الهشة أمام سؤال البقاء أو الرحيل

اتهامات بتغيير أقفال مكتب جمعية للآباء والاستحواذ على وثائقها تجرّ مدير مؤسسة تعليمية إلى القضاء بطنجة

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات

0