تعيش شركة أمانديس طنجة على وقع توتر اجتماعي متواصل، بعدما تحولت مطالب مهنية ومالية ظلت مطروحة منذ أشهر إلى أزمة ثقة بين الإدارة والممثلين النقابيين، في ظل اتهامات متكررة بالمماطلة في تنفيذ الاتفاقات وتأخر تسوية ملفات ترتبط بالترقيات والتعويضات والتعيينات، فضلاً عن المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل المستخدمين مع اقتراب الانتقال إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات.
وتكشف سلسلة من البيانات الصادرة عن المجلس النقابي لعمال ومستخدمي وأطر أمانديس طنجة، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى نونبر 2026، عن مسار متقلب للعلاقة بين الطرفين، انتقل من الحوار والتوصل إلى تفاهمات إلى تنظيم وقفات احتجاجية والتهديد بتوسيع الأشكال النضالية، قبل إعلان هدنة مؤقتة مشروطة بمدى التزام الإدارة بتنفيذ تعهداتها.
تتصدر قضية عدم تنفيذ الالتزامات السابقة قائمة الخلافات بين إدارة أمانديس طنجة والمجلس النقابي، الذي يتهم الإدارة باعتماد سياسة التسويف والتأجيل في معالجة مطالب يعتبرها مشروعة ومستعجلة.
وتشمل الملفات المطروحة تسوية الوضعية المهنية للمستخدمين، وتنفيذ جدول الترقيات السنوية لسنة 2026، وإعادة تصنيف الأطر العليا، وتسوية وضعية حاملي الشهادات الجامعية، إلى جانب استكمال التعيينات في مناصب المسؤولية وفق معايير واضحة تضمن تكافؤ الفرص والاستحقاق المهني.
كما يطالب المجلس النقابي بتسوية وضعية المستخدمين المتعاقدين بعقود غير محددة المدة، وضمان إدماجهم وترسيمهم وفق المقتضيات التنظيمية المعمول بها، خصوصاً في ظل التحولات المرتقبة في تدبير قطاع توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل.
وتبرز هذه المطالب حجم التحديات المرتبطة بتدبير الموارد البشرية داخل المؤسسة، خاصة أن استمرار تأخر التسويات المهنية قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والمناخ الداخلي للعمل.
لا تقتصر الأزمة على الترقيات والتعيينات، بل تمتد إلى ملفات مالية تتعلق بصرف العلاوات والتعويضات الأساسية والاستثنائية.
فقد أثار المجلس النقابي في بياناته المتعاقبة ملفات تعويض التقنية والمعلوميات والمردودية والتحفيز، إلى جانب منح مرتبطة بالعطل والتحصيل والسياقة، مطالباً بتسوية المستحقات العالقة واعتماد معايير شفافة ومنصفة في توزيع التعويضات.
ويحتل ملف التعويض الاستثنائي المعروف باسم Prime Exceptionnelle – Rubrique 280 مكانة خاصة ضمن الخلافات المطروحة، بعدما عبرت النقابة عن رفضها لما تعتبره غياباً لمعايير واضحة وعادلة في الاستفادة منه.
وطالبت الهيئة النقابية بمراجعة شروط صرف هذا التعويض، وتوسيع الاستفادة منه بما يضمن الإنصاف بين مختلف الفئات المهنية، معتبرة أن تدبير التعويضات بمنطق غير متوازن من شأنه تعميق الشعور بالتفاوت داخل المؤسسة.
يشكل الانتقال المرتقب من نموذج التدبير المفوض إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات أحد أبرز مصادر القلق داخل أمانديس طنجة، بالنظر إلى ما يطرحه من تساؤلات بشأن مستقبل الوضعيات المهنية والاجتماعية للمستخدمين.
وتشدد النقابة على ضرورة ضمان انتقال مؤسساتي يحافظ على جميع المكتسبات، بما فيها الأقدمية والأجور والترقيات والتعويضات والتغطية الصحية والحقوق المرتبطة بالتقاعد.
كما تطرح الملفات المالية والمهنية التي لم تتم تسويتها بعد إشكالية الجهة التي ستتحمل مسؤولية تنفيذ الالتزامات السابقة، ومدى توفر ضمانات واضحة تحول دون انتقال الخلافات الاجتماعية إلى المؤسسة الجديدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى حساسية قطاع الماء والكهرباء والتطهير السائل، باعتباره مرفقاً حيوياً يرتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للسكان والأنشطة الاقتصادية بمدينة طنجة.
في موازاة الخلافات المحلية، كشفت بلاغات المكتب الجامعي للجامعة الوطنية لعمال توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل عن تقدم في عدد من الملفات الاجتماعية على المستوى القطاعي.
ومن بين أبرز هذه الملفات الإعلان عن اتفاق يتعلق بإحداث نظام للتقاعد التكميلي لفائدة فئات من المستخدمين المنخرطين في نظام RCAR، يقوم على مساهمات شهرية موزعة بين المستخدم والجهات المعنية.
كما تناولت البلاغات تسوية الوضعية المالية لفئات من المتقاعدين، ومواصلة معالجة ملفات إعادة تقييم المعاشات، إلى جانب المطالب المتعلقة بإصلاح نظام التغطية الصحية والتعاضدية وضمان استمرار الحقوق الاجتماعية المكتسبة.
ورغم الإعلان عن هذه التفاهمات، فإن التحدي الأساسي يظل مرتبطاً بمدى ترجمتها إلى إجراءات فعلية، ومدى انعكاسها على الوضع الاجتماعي للعاملين والمتقاعدين.
عرفت العلاقة بين إدارة أمانديس طنجة والمجلس النقابي منعطفاً جديداً خلال شهر أكتوبر الماضي، بعدما اتهمت النقابة الإدارة بعدم احترام آجال تسوية مجموعة من الملفات التي سبق التداول بشأنها.
وفي 22 أكتوبر 2026، أعلن المجلس النقابي تنظيم وقفتين احتجاجيتين يومي 27 و29 أكتوبر، احتجاجاً على ما وصفه باستمرار المماطلة وعدم الوفاء بالتعهدات.
وبعد تنفيذ المحطتين الاحتجاجيتين، أصدر المجلس النقابي بياناً بتاريخ 29 أكتوبر أعلن فيه توسيع برنامجه النضالي، من خلال الدعوة إلى تجميد أشكال التعاون الإضافي مع الإدارة، باستثناء المهام المرتبطة بالمداومة وضمان استمرارية الخدمات الحيوية.
كما دعا المستخدمين والأطر إلى حمل الشارة الحمراء ابتداء من 3 نونبر، وبرمج وقفات احتجاجية متتالية أيام 3 و4 و5 نونبر، في خطوة عكست ارتفاع مستوى التوتر بين الطرفين.
واعتبر المجلس النقابي أن الاحتجاجات جاءت نتيجة تراكم ملفات لم تجد طريقها إلى التسوية، محملاً الإدارة مسؤولية ما قد يترتب عن استمرار الوضع من احتقان اجتماعي داخل المؤسسة.
غير أن التطورات الأخيرة حملت مؤشرات على إمكانية العودة إلى طاولة الحوار، بعدما أعلن المجلس النقابي، في بلاغ صادر يوم 4 نونبر 2026، تعليق الخطوات الاحتجاجية المبرمجة خلال الأسبوع الثاني من برنامجه النضالي.
وجاء هذا القرار عقب جلسة تفاوض مع الإدارة، قدم خلالها ممثلو النقابة عرضاً لمخرجات الحوار، قبل أن يقرر المجلس منح فرصة إضافية لتحديد جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات ومعالجة الملفات العالقة.
وحدد المجلس النقابي يوم الثلاثاء 10 نونبر 2026 موعداً لاجتماع جديد، ينتظر أن يشكل محطة لتقييم مدى جدية الإدارة في الاستجابة للمطالب المطروحة، واتخاذ القرار بشأن مستقبل البرنامج الاحتجاجي.
ويعكس هذا التطور استمرار تمسك النقابة بخيار الحوار، مع إبقاء إمكانية استئناف التصعيد قائمة في حال عدم التوصل إلى نتائج ملموسة.
تكشف قراءة متأنية لمسار الاحتجاجات والبيانات النقابية أن ما يجري داخل أمانديس طنجة يتجاوز مجرد خلاف حول تعويضات أو ترقيات مهنية، ليطرح إشكالية أوسع تتعلق بمستوى الثقة بين الإدارة والمستخدمين، ومدى قدرة الحوار الاجتماعي على إنتاج اتفاقات قابلة للتنفيذ.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه النقابة أن مطالبها ترتبط بحقوق ومكتسبات مهنية واجتماعية، تظل معرفة موقف إدارة أمانديس من الاتهامات الموجهة إليها ضرورية لتكوين صورة متكاملة عن طبيعة الخلاف وأسباب تأخر التسويات.
كما يفرض الانتقال إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات ضرورة توضيح مستقبل الالتزامات السابقة، وتحديد المسؤوليات القانونية والمالية المرتبطة بها، تفادياً لأي تعقيدات قد تؤثر على استقرار العاملين.
وبين مطالب نقابية متراكمة، وحوار اجتماعي لم يحسم جميع الملفات، وتحولات مؤسساتية تقترب من مرحلة جديدة، تجد أمانديس طنجة نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على استعادة الثقة واحتواء التوتر الاجتماعي.
ويبقى اجتماع 10 نونبر محطة منتظرة لمعرفة ما إذا كانت الهدنة الحالية ستفتح الطريق أمام تسويات فعلية، أم أن المؤسسة ستكون على موعد مع جولة جديدة من الاحتجاجات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ضمان الاستقرار المهني والاجتماعي داخل مرفق حيوي يخدم مدينة طنجة وسكانها.






تعليقات
0