كلما أثير الحديث عن أزمة اليد العاملة في قطاع البناء بطنجة، يتكرر السؤال نفسه: كيف يمكن أن يعاني القطاع من نقص العمال في وقت وصلت فيه اليومية بحسب مهنيين إلى نحو 300 درهم
الاعتقاد بأن رفع اليومية وحده كفيل بجذب الشباب إلى أوراش البناء لم يعد ينسجم مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل. فالشباب اليوم لا يبحث فقط عن دخل يومي، بل عن الاستقرار، والضمان الاجتماعي، وآفاق التطور المهني، وظروف عمل تحفظ الكرامة والصحة. لذلك، فإن المقارنة بين مبلغ اليومية وطبيعة العمل الشاق قد لا تكون كافية لتفسير اختياراتهم.
في مدينة مثل طنجة التي أصبحت قطبا صناعيا ولوجستيا بامتياز ظهرت بدائل عديدة أمام الشباب. فالمصانع، وشركات الخدمات، ومنصات التجارة الإلكترونية وحتى العمل الحر عبر الإنترنت تقدم خيارات يعتبرها كثيرون أقل مشقة وأكثر استقرارا حتى وإن كانت الأجور في بعض الحالات متقاربة أو أقل من قطاع البناء.
من جهة أخرى لا يمكن تجاهل الصورة التي ارتبطت بمهن البناء على مدى سنوات. فالقطاع ما زال في نظر كثيرين، يعتمد على العمل الموسمي، ويعاني في بعض الحالات من غياب الاستقرار والتغطية الاجتماعية، إضافة إلى المخاطر المهنية المرتبطة بالأوراش. وعندما يوازن الشاب بين دخل يومي مرتفع نسبياً وبين مهنة قد لا تضمن له استمرارية العمل أو الحماية الاجتماعية، فإن اختياره يصبح مفهوماً، حتى لو اختلفت الآراء حوله.
وفي المقابل، يتحمل القطاع نفسه جزءا من المسؤولية. فبدلا من الاكتفاء بالحديث عن نقص اليد العاملة ربما أصبح من الضروري إعادة النظر في ظروف العمل، والاستثمار في التكوين المهني، وتحويل مهن البناء إلى مسارات مهنية حقيقية توفر فرص الترقية والتخصص، وليس مجرد أعمال مؤقتة تنتهي بانتهاء الورش.
كما أن طرح تشغيل المهاجرين لسد الخصاص قد يساهم في التخفيف من الأزمة إذا تم في إطار قانوني ومنظم، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. فالاعتماد على يد عاملة بديلة قد يوفر حلاً مرحلياً، لكنه لن يعوض الحاجة إلى جعل القطاع أكثر جاذبية للشباب المغربي على المدى البعيد.
إن أزمة البناء في طنجة ليست أزمة أجور فقط بل هي أزمة نموذج عمل يحتاج إلى مراجعة شاملة. فحين تصبح المهن الأخرى أكثر قدرة على استقطاب الشباب، رغم أن بعضها يقدم دخلاً أقل، فإن الرسالة واضحة: العامل لم يعد يقيس قيمة الوظيفة بما يتقاضاه في نهاية اليوم فقط، بل بما توفره له من استقرار واحترام وأفق للمستقبل.
ولعل السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا يعزف الشباب عن العمل في البناء؟ بل أصبح: ماذا فعل القطاع ليقنع جيلاً جديداً بأن مستقبلهم يمكن أن يبدأ من ورش البناء وينتهي بمهنة مستقرة تحفظ لهم الكرامة وتمنحهم أملاً في التطور؟






تعليقات
0