لم تعد نفقات أسطول السيارات والآليات التابعة للجماعات الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة مجرد بند عادي ضمن أبواب الميزانيات السنوية، بل أصبحت تطرح تساؤلات متزايدة حول جدوى تدبير هذا المرفق، وحجم الأموال التي يستنزفها، ومدى انعكاسها الفعلي على تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
ففي الوقت الذي تواجه فيه عدد من الجماعات تحديات مالية مرتبطة بتراكم الديون وضعف الموارد وتراجع المداخيل تظل الاعتمادات المخصصة للمحروقات والصيانة وإصلاح السيارات موضوعا يستحق نقاشا جديا خصوصا مع اقتراب المصادقة على ميزانيات سنة 2027، وما تفرضه المرحلة من ضرورة ترشيد النفقات وترتيب الأولويات.
كما تطرح اتهامات باستعمال بعضها في تنقلات لا ترتبط بالعمل الجماعي، سواء لأغراض شخصية أو عائلية، وهي ممارسات، إن ثبتت، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل إدارية، بل باعتبارها مسألة مرتبطة بحماية المال العام واحترام قواعد الحكامة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل توزع الإمكانيات اللوجستية للجماعات وفق حاجيات المرفق العام، أم تتداخل في تدبيرها أحياناً اعتبارات سياسية وشخصية؟
ومن زاوية أخرى فإن ارتفاع نفقات المحروقات والصيانة يفرض على رؤساء الجماعات تقديم معطيات دقيقة حول حجم الاستهلاك، وعدد السيارات المستعملة، وطبيعة المهام التي تؤديها، والكلفة السنوية لكل مركبة.
ولا يستقيم الحديث عن ترشيد النفقات داخل الجماعات الترابية دون إخضاع هذا الأسطول لمراقبة فعلية، من خلال اعتماد سجلات دقيقة للتنقلات، وتتبع استهلاك الوقود، وضبط عمليات الصيانة، وتحديد المسؤوليات المرتبطة باستعمال المركبات.
فالمفارقة أن بعض الجماعات تجد صعوبة في توفير الإمكانيات الكافية لمعالجة مشاكل الإنارة والنظافة والطرقات وصيانة المرافق، بينما تظل نفقات السيارات والمحروقات والصيانة حاضرة بقوة في النقاشات المرتبطة بالميزانيات.
اليوم ومع دخول مشاريع ميزانيات سنة 2027 مرحلة النقاش، تبدو الفرصة مناسبة لفتح هذا الملف بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، ووضع تدبير أسطول السيارات الجماعية أمام اختبار الشفافية والمردودية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المجالس المنتخبة ليس فقط كم تنفق الجماعات على المحروقات والصيانة، بل ماذا تحقق مقابل هذه النفقات؟ ومن يراقب طريقة استعمال هذه الممتلكات؟ وهل تخضع جميع السيارات، مهما كانت صفة مستعمليها، للضوابط نفسها؟
إن المال العام لا يحتمل نفقات بلا مردودية واضحة، كما أن تدبير الشأن المحلي لا يقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما بحسن توظيفها وانعكاسها على حياة المواطنين.
ومن هنا فإن مراجعة طريقة تدبير سيارات الجماعات بالشمال لم تعد مجرد مطلب تطرحه المعارضة، بل أصبحت مدخلا ضروريا لنقاش أوسع حول الحكامة المحلية وحدود الامتيازات داخل المؤسسات المنتخبة.






تعليقات
0