رصد مجلس المنافسة مجموعة من الاختلالات التي تطبع سوق توزيع المواد الغذائية بالمغرب مسلطا الضوء على هيمنة التجارة التقليدية على قنوات التوزيع إلى جانب تحديات مرتبطة بتنظيم القطاع وشفافية المعاملات التجارية وتطور هوامش الربح، وذلك ضمن رأيه رقم ر/1/25 بشأن وضعية المنافسة على مستوى مسالك توزيع المواد الغذائية.
وتبرز المعطيات التي تضمنها الرأي، المنشور سنة 2025 الوزن الكبير الذي لا تزال تحتفظ به التجارة التقليدية في تموين السوق الوطنية، إذ تستحوذ وفق الأرقام التي أوردتها التغطية الإعلامية للرأي على نحو 80 في المائة من رقم معاملات توزيع المواد الغذائية وتمثل قرابة 99 في المائة من نقاط البيع وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد شريحة واسعة من المستهلكين على محلات البقالة وقنوات التوزيع التقليدية للحصول على احتياجاتهم اليومية.
وفي مقابل هذه الهيمنة، يثير تنظيم القطاع مجموعة من التساؤلات بشأن فعالية الإطار القانوني المؤطر لمسالك التوزيع، في ظل تعدد النصوص المنظمة وتداخل اختصاصات بعض الجهات المتدخلة، فضلاً عن محدودية المعطيات الإحصائية الدقيقة التي تسمح بتتبع تطورات السوق وتحليل مكوناتها بصورة أكثر شمولاً.
كما توقف مجلس المنافسة عند بعض الإشكالات المرتبطة بالعلاقات التجارية بين الموردين والموزعين، خصوصاً ما يتعلق بآجال الأداء والهوامش الخلفية المتفاوض بشأنها، وهي عناصر تكتسي أهمية في فهم كيفية توزيع التكاليف والأرباح بين مختلف المتدخلين، ومدى انعكاسها على شروط المنافسة داخل السوق.
وفي ما يخص هوامش الربح أوردت المعطيات المنشورة بشأن الرأي تسجيل ارتفاع في هامش الربح الخام المرتبط بتسويق منتجات الحليب عبر مسالك التوزيع التقليدية، من 10 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2022 إلى 22 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2023. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بالفترات والمنتجات التي شملتها الدراسة، ولا تكفي، بمفردها، لإثبات وجود ممارسات مخالفة لقواعد المنافسة.
وتكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تؤديه مسالك التوزيع في تحديد المسار الذي تسلكه المنتجات من مرحلة الإنتاج إلى وصولها إلى المستهلك، وما يرافق ذلك من تكاليف وهوامش تجارية متعددة. غير أن تحديد المسؤولية عن ارتفاع الأسعار يقتضي التمييز بين تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع، وبين الممارسات التجارية التي قد تؤثر على المنافسة.
وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى تعزيز الشفافية في المعاملات التجارية وتحسين آليات جمع البيانات المتعلقة بالأسعار وهوامش الربح إلى جانب تطوير الإطار التنظيمي بما يواكب التحولات التي يعرفها القطاع. كما يظل تحديث قنوات التوزيع التقليدية وتطوير قدراتها اللوجستية والتنافسية من بين المسارات التي يمكن أن تسهم في تحسين أداء السوق.
ويعيد تشخيص مجلس المنافسة فتح النقاش حول بنية توزيع المواد الغذائية بالمغرب ومدى قدرة المنظومة الحالية على ضمان شروط منافسة أكثر شفافية بين مختلف الفاعلين، في سوق ترتبط بشكل مباشر بالحاجيات اليومية للمواطنين وبالقدرة الشرائية للأسر.
وتبقى فعالية هذه التوجهات رهينة بمدى ترجمة التوصيات إلى إجراءات عملية، وتوفير معطيات محينة تسمح بتقييم تطور السوق وقياس أثر الإصلاحات على مسالك التوزيع والأسعار النهائية للمنتجات الغذائية.






تعليقات
0